جمال الدين بن نباتة المصري

190

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

فصالحه ، ثم توجّه إلى خوارزم - وكان صاحبها قد راسله سرّا خوفا من أخيه الخارج عليه - فصالحه وسلّم إليه أخاه ؛ لأنه كان شرط عليه ذلك . ثم توجّه إلى سمرقند ، فقاتل وثلّم السّور ، فصاحوا : الصلح ! فصالحهم على ألف ألف ومائتي ألف في كلّ سنة ، وعلى أن يعطوه ثلاثين ألف رأس ، ليس فيهم طفل ولا شيخ ، وعلى أن يخلوا المدينة لقتيبة ويخرجوا منها المقاتلة ، ويدخلها قتيبة ويا بنى بها مسجدا ويصلّى فيه ، ويخطب ويتغدّى ويخرج منها . فأجابوه إلى ذلك ، فقال : ابعثوا لنا ما صالحناكم عليه ، فبعثوا إليه بالمال والرّؤس ، فقال قتيبة : الآن ذلّوا حين صار أولادهم وإخوانهم في أيدينا ! ثم بنوا جامعا ونصبوا منبرا ، وأخلوا المدينة ، وانتخب قتيبة من أراد من فرسانه ودخلها ، فأتى المسجد فصلّى وخطب ، ثم تغدّى وأرسل إلى أهلها : لست بخارج منها ؛ فخذوا ما أعطيتمونا . وكان قتيبة يعيّر بالغدر بأهل سمرقند ، ثم أحرق الأصنام وبيوت النّيران ، ووجد جارية من بنات يزدجرد ، فقال قتيبة : أترى ابن هذه يكون هجينا ؟ فقالت : نعم ، من قبل أبيه ، فأرسل بها إلى الحجّاج ، فبعث بها إلى الوليد ابن عبد الملك ، فولدت له يزيد . ثم غزا قتيبة الصين وكاشغر « 1 » ، فبعث إليه ملك الصين : ابعث لنا رجلا من قومك نسأله عن دينكم ؛ فانتدب له عشرة من أشراف القبائل ، لهم هيئة وجمال ، فدخلوا عليه ، وعليهم ثياب رقيقة ، فلم يكلّمهم أحد ، فنهضوا ثم دخلوا عليه في اليوم الثاني وعليهم البيض والمغافر والسّلاح كأنهم الجبال ، فسأل الملك أحدهم عن صنيعهم أمس واليوم ، فقالوا : ذاك لباسنا في أهلنا وهذا في حربنا ، فقال : انصرفوا إلى صاحبكم ، وقولوا له : ينصرف ، فقد عرفت قلّة أصحابه ، وإلّا بعثت له من يهلكه ومن معه . فقالوا : كيف تقول هذا لمن أوّل خيله في بلادك

--> ( 1 ) كاشغر ، ذكرها ياقوت ، وقال : هي مدينة وقرى ورساتيق هي وسط بلاد الترك .